محمد نظام يعقوبي يستعرض نفائس مخطوطات «الشفا» بدار الحديث الحسنية

“`html

محمد نظام يعقوبي يستعرض نفائس مخطوطات «الشفا» بدار الحديث الحسنية

احتضنت دار الحديث الحسنية بالرباط، يوم الأربعاء 10 يونيو 2026، محاضرة علمية بعنوان «التعريف بالأصول المخطوطة لكتاب الشفا للقاضي عياض بن موسى السبتي، وعناية العلماء بها»، ألقاها الخبير الدولي في المخطوطات الإسلامية محمد نظام يعقوبي، مسلطاً الضوء على أبرز النسخ الخطية لكتاب «الشفا بتعريف حقوق المصطفى» وما حظي به من عناية علمية وفنية استثنائية عبر العصور.

وتوقف المحاضر عند عدد من النسخ النادرة التي اقتناها أو اطلع عليها خلال سنوات طويلة من البحث والتتبع، وفي مقدمتها النسخة المكية النفيسة التي كانت متداولة بمكة المكرمة، وتضم سماعات وبلاغات وتملكات لعدد من كبار العلماء، من بينهم الحافظ شمس الدين السخاوي وآل فهد وآل ظهيرة وغيرهم. كما تبين لاحقاً أنها مكتوبة بخط الإمام النويري، ما أضفى عليها قيمة علمية وتاريخية إضافية.

كما استعرض قصة النسخة المقدسية المحفوظة بالمكتبة الخالدية بالقدس، والتي وصفها بأنها من أنفس فروع نسخة ابن جبير المشهورة لدى الباحثين. وأشار إلى أنه ظل يبحث عنها قرابة عشرين عاماً، مستعيناً بالباحثين والعاملين في المكتبات المقدسية، إلى أن عُثر عليها في غير موضعها داخل المكتبة الخالدية. وقد جرى تصويرها ونشرها، وأصبحت مرجعاً أساسياً اعتمدت عليه عدة طبعات حديثة للكتاب.

وفي سياق حديثه عن جهود العلماء والمؤسسات في خدمة التراث المخطوط، أوضح يعقوبي أن مكتبة الملك الفيصل شاركت في اقتناء عدد من النسخ النادرة وتصويرها رقمياً، ثم نشرها وإتاحتها للباحثين والجامعات، مشيراً إلى توزيع مئات النسخ على المؤسسات العلمية والمتخصصين خدمة للبحث الأكاديمي وصيانة للذاكرة التراثية الإسلامية.

ومن بين النماذج الفريدة التي عرضها خلال المحاضرة، نسخة كاملة كانت مملوكة للملك الليبي الراحل محمد إدريس السنوسي، نسخت سنة 776 هجرية بالجامع النوري في قلعة دمشق على يد الناسخ أحمد بن علي بن محمد الحنفي. وتمتاز هذه النسخة بما تحمله من تملكات وسماعات ومقابلات علمية متعاقبة لعدد من العلماء، قبل أن تنتقل إلى الملك السنوسي ثم إلى مقتنيات يعقوبي.

كما قدم نموذجاً لنسخة مغربية خطها الناسخ أحمد اليافوخ، الذي اشتهر بكثرة نسخه للكتب العلمية. ولفت إلى أن الناسخ ذكر في خاتمة النسخة أنها تمثل النسخة الثامنة والستين التي ينسخها من كتاب «الشفا»، وهو ما يعكس حجم الإقبال الذي حظي به الكتاب في الأوساط العلمية المغربية عبر العصور.

وتوقف كذلك عند نسخة مكية أخرى تعود إلى سنة 845 هجرية، تضم سماعات ومقابلات علمية وتعليقات وفوائد بخطوط علماء تداولوها قراءةً وتدريساً. كما أثار انتباه الباحثين إلى بعض العبارات الواردة في خاتمتها، داعياً المختصين إلى دراستها وتحليل دلالاتها النصية والتاريخية.

وأشار المحاضر إلى أن العناية بكتاب «الشفا» لم تقتصر على النسخ المخطوطة، بل امتدت إلى جهود التحقيق والطباعة الحديثة، منوهاً بعمل عدد من المحققين الذين أسهموا في خدمة الكتاب.

وأكد يعقوبي أن المكتبات العثمانية كانت من أكثر المؤسسات العلمية احتفاءً بكتاب «الشفا»، لافتاً إلى أن إحدى مكتبات إسطنبول تحتفظ وحدها بأكثر من 140 نسخة مخطوطة منه، وهو رقم يعكس حجم الانتشار الذي بلغه الكتاب ومكانته لدى العلماء والسلاطين ومحبي التراث النبوي.

وخلص المحاضر إلى أن التنوع الكبير في نسخ «الشفا»، بما تحمله من تقييدات وسماعات وإجازات ومقابلات علمية، إلى جانب ما تزخر به من جماليات فنية في الخط والتذهيب والتجليد، يشكل شاهداً حياً على المكانة الاستثنائية التي حظي بها هذا الكتاب في مختلف أرجاء العالم الإسلامي.

فمن خزائن العلماء إلى مكتبات السلاطين والملوك، ظل «الشفا» يحظى بعناية خاصة حفظاً ونسخاً وتداولاً، باعتباره أحد أهم المؤلفات التي عرّفت بمقام النبي صلى الله عليه وسلم وحقوقه.

واختتم محمد نظام يعقوبي محاضرته بالتنويه بمكانة القاضي عياض العلمية، وبالأثر العميق الذي خلفه كتاب «الشفا» في الثقافة الإسلامية، معتبراً أن مواصلة الجهود الرامية إلى حفظ مخطوطاته وتحقيقها ونشرها تمثل خدمة جليلة للتراث الإسلامي وللذاكرة العلمية للأمة، وتجسد استمرار محبة المسلمين للنبي صلى الله عليه وسلم واعتزازهم بإرثهم الحضاري والعلمي.

“`