الرئيسية/ المؤسسة/نبذة عن المؤسسـة

نبذة عن المؤسسـة

دار الحديث الحسنية: ستة عقود من العطاء في خدمة الدراسات الإسلامية

مؤسسة دار الحديث الحسنية

سياق التأسيس وبواعثه: إرادة ملكية أسست مؤسسة رائدة في الدراسات الإسلامية

يرتبط تأسيس دار الحديث الحسنية بسياق فكري وتاريخي اتسم بتحديات متعددة واجهت العالم الإسلامي في منتصف القرن العشرين، حيث برزت مظاهر تراجع الاهتمام بعلوم الحديث والعلوم الشرعية، مقابل تنامي التأثيرات الثقافية والفكرية الحديثة. وفي هذا الإطار، استشعر الملك الحسن الثاني، طيب الله ثراه، ضرورة إعادة الاعتبار لعلوم الحديث وعلومه، باعتبارها ركيزة أساسية في البناء العلمي والديني للأمة.

وقد تجسدت هذه الرؤية في مبادرة تشاورية مع نخبة من علماء المغرب، وعلى رأسهم مكتب رابطة علماء المغرب برئاسة العلامة عبد الله كنون، حيث جرى التداول في قضايا التربية والتعليم وسبل النهوض بالعلوم الإسلامية. وانتهى هذا المسار إلى الإعلان عن إنشاء مؤسسة علمية متخصصة تُعنى بتكوين المحدثين والعلماء وتأهيل الأطر العليا في مجالات التعليم والقضاء والدعوة.

وهكذا أُعلن عن إنشائها في إحدى الدروس الحسنية في شهر رمضان سنة 1384هـ/1964م، حيث حدد في خطابه التاريخي الأهداف والأسباب، فقال:

“لقد كانت أمنية عزيزة علينا هاته التي نحققها اليوم بتدشين دار الحديث الحسنية، في هذا الحفل الذي يضم طائفة من علمائنا، ونخبة من حملة مشعل الهداية بيننا، منذ أن ولانا الله مقاليد هذه الأمة، ونحن بحكم التربية التي أنشأنا عيها والدنا المقدس، نعمل لتستمر الهداية الإسلامية تنير بإشعاعها الخالد هذه الديار، باذلين في سبيل ذلك كل نصح وتوجيه، ومحصنين مقوماتنا الروحية التي نعتز بها من كل زيغ وتضليل وتحريف، مؤمنين بأن لا صلاح للأمة الإسلامية إلا بما صلح به أولها.

وقد أثبت التاريخ أن المغرب حافظ على أصول ذلك الهدي، واحتضنه وحمله في أمانة إلى مختلف الآفاق، ثم انتصب عليه قيما حفيظا حتى ابتلي العالم الإسلامي بالنكسة، التي تلقاها لحسن الحظ أجدادنا المقدسون في هذا الوطن العزيز.

وإن فتوحاتنا العلمية لا تقل شأنا عن فتوحاته السياسية، فما أكثر أولئك العلماء المغاربة الذين أسهموا في الحضارة العربية والإسلامية بالنصيب الأوفى، وما أوفر من ظلوا منهم عبر التاريخ الطويل يضرون أكباد الإبل في طلب العلم، أو تلقينه مهما بعدت الدار، أو شط بهم المزار. وإن تراثنا الإسلامي والمغربي منه بصفة أخص، لخليق أن يحملنا على الاعتزاز به، ومن أجل ذلك، فنحن مدعوون للمحافظة عليه، وشمله بمزيد العناية التي تقيه خطر العفاء والاندثار، مع جعله في ذات الوقت مسايرا لمتطلبات القرن العشرين، ومواكبا سير الحضارة العصرية”.

ونحن موقنون بأن الدروس العلمية التي عرفتها حلقات الدراسة في أول جامعة عالمية هي جامعة القرويين، التي حج إليها الرواد من جميع أنحاء المعمور وحتى من أوروبا، كانت في بعض عصورنا الذهبية عصارة ما انتهى إليه الفكر البشري، الذي تلاقح بمختلف نتائج الحضارات، بيد أن عملا تجديديا كان لابد أن يصاحب ذلك التراث ليتطور وينمو، ويثبت على مر الزمان أمام مختلف التيارات الفكرية والاكتشافات العلمية.

ولكي يستمر هذا العمل، وضمانا لانتشاره وازدهاره، ندشن في هذه الليلة المباركة دار الحديث الحسنية، التي ستضم ثلاثين طالبا سيتخصصون في الدراسة الإسلامية، وسيلمون بفن الحديث متنا وسندا ورواية، ويتخصصون في كل ما يقوي مداركهم، وينمي معلوماتهم في هذا الفن الأصيل، ليكونوا علماء لن تكون مهمتهم الوعظ والإرشاد، ولكن علماء يكونون الإطارات التي تعادل في كفاءتها وإطلاعها، من عرفه المغرب من علماء مرموقين في هذا الميدان، أصبح عدهم يتضاءل بكل أسف، ونأمل أن يملأ خريجو دار الحديث فراغهم”.

وبمقتضاه الخطاب الملكي صدر المرسوم الملكي المؤسس للدار في 11 جمادى الأولى عام 1388هـ (6 غشت 1968م).

تطور مؤسسي وإعادة تنظيم ضمن منظومة التعليم العالي الديني بالمغرب

عرفت دار الحديث الحسنية مساراً تطورياً مهمّاً منذ تأسيسها، سواء على مستوى الأدوار العلمية أو البنية المؤسساتية. ويعكس هذا التطور حرص الدولة المغربية، تحت قيادة جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، على تحديث الحقل الديني وتأهيل مؤسساته بما يضمن الاستجابة للتحولات العلمية والفكرية المعاصرة.

إعادة التنظيم سنة 2005: نحو تجديد الحقل الديني

في 18 رجب 1426هـ الموافق 24 غشت 2005، صدر الظهير الشريف رقم 1.05.159 القاضي بإعادة تنظيم دار الحديث الحسنية، في إطار رؤية إصلاحية تهدف إلى مواصلة “نهج التجديد في الحقل الديني”. وقد أكد هذا التوجه على ضرورة إصلاح الهياكل المؤسساتية وتأهيلها لتكون قادرة على أداء مهامها العلمية والتربوية بكفاءة عالية، خاصة في ما يتعلق بتكوين علماء مؤهلين للقيام بمهام الاجتهاد وتقديم صورة مشرقة عن الإسلام.

كما جاء هذا الإصلاح منسجماً مع التصور العام لمنظومة التربية والتكوين في المغرب، الذي يحظى بإجماع وطني، ويهدف إلى تحديث المؤسسات التعليمية والدينية على أسس علمية حديثة مع الحفاظ على الثوابت الدينية.

وبموجب هذا الظهير، أصبحت مؤسسة دار الحديث الحسنية تابعة لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، مما عزز إدماجها في الإطار المؤسساتي الرسمي المكلف بتدبير الشأن الديني بالمملكة.

التدشين الجديد سنة 2010: تعزيز البنية والتأطير

في 16 غشت 2010، أشرف أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، على تدشين المقر الجديد لمؤسسة دار الحديث الحسنية بحي الرياض بالرباط. ويعكس هذا الحدث العناية الملكية المستمرة بهذه المؤسسة، وحرص الدولة على توفير بنيات حديثة تدعم جودة التكوين والبحث العلمي، وتستجيب لمتطلبات التعليم العالي المتخصص في العلوم الإسلامية.

إعادة التموقع ضمن منظومة جامعة القرويين سنة 2015

شهدت المؤسسة تحولاً مؤسساتياً مهماً بموجب الظهير الشريف رقم 1.15.71 الصادر في 07 رمضان 1436هـ الموافق 24 يونيو 2015، حيث أُلحقت دار الحديث الحسنية بجامعة القرويين، وحدد هذا الظهير مهام الجامعة والمعاهد التابعة لها، إلى جانب تنظيم سيرها ونظام الدراسة والتكوين بها.

ويُعد هذا الإلحاق خطوة استراتيجية تهدف إلى توحيد وتنسيق مؤسسات التعليم العالي الديني، وتعزيز تكاملها داخل منظومة علمية متجانسة، بما يضمن رفع جودة التكوين وتطوير البحث العلمي في الدراسات الإسلامية.

وهكذا يعكس المسار المؤسسي لدار الحديث الحسنية، من إعادة التنظيم سنة 2005 إلى الإلحاق بجامعة القرويين سنة 2015، دينامية مستمرة في تحديث الحقل الديني بالمغرب. كما يبرز هذا التطور التوجه الاستراتيجي نحو تعزيز التكوين العلمي الرصين، وإعداد علماء وباحثين قادرين على مواكبة التحولات الفكرية والمعرفية، مع الحفاظ على الثوابت الدينية للمملكة وإشعاعها العلمي في العالم الإسلامي.

النصوص التشريعية

  1. المرسوم الملكي رقم 187.68 بتاريخ 11 جمادى الأولى 1388 (6 أغسطس 1968) المحدث لمعهد دار الحديث الحسنية.
  2. مرسوم رقم 2.77.790 بتاريخ 20 شوال 1397 (4 أكتوبر 1977) بتغيير المرسوم رقم 187.68 الصادر في 11 جمادى الأولى 1388 (6 غشت 1968) بإحداث دار الحديث الحسنية.
  3. الظهير الشريف رقم 1.05.159 الصادر في 18 رجب 1426 (24 أغسطس 2005) والقاضي بإعادة تنظيم “معهد دار الحديث الحسنية” وإطلاق عليه اسم مؤسسة دار الحديث الحسنية.
  4. الظهير الشريف 1.15.71 المؤرخ في 07 رمضان 1436 (24 يونيو 2015) الذي حدد مهام جامعة القرويين والمعاهد التابعة لها، وكيفيات سيرها، ونظام الدراسة والتكوين بها.