image الرئيسية /  آليات تدبير الاختلاف بين الفقه والمؤسسات التشريعية الحديثة ـ مائدة المستديرة ـ

 آليات تدبير الاختلاف بين الفقه والمؤسسات التشريعية الحديثة ـ مائدة المستديرة ـ

nadwa1  ورقـة تقديميـــــــة:

   أولا: الاختلاف وعناصره
  منذ بدايات القرن العشرين، والعالم الإسلامي يعاني من ازدواجية القواعد المنظمة للمجتمع وللتعايش بين أفراده.

الازدواجية الماثلة في الموروث الفقهي الشامل لكافة نواحي الحياة، وفي النظام المؤسسي للدولة المستنسخ من الغرب شكلا وموضوعا.
   ولا حاجة إلى التذكير بآثار ذلك على استقرار المجتمعات الإسلامية وأمنها وعلى مواجهة مشاكلها المتأصلة من الأمية، والفقر، والمرض، وهو ما حال دون التحاقها بركب حضارة الإنسان والمساهمة في بنائها وتوجيهها.
    يرى فريق أن أحكام الشريعة التي يجب على المجتمع المسلم الالتزام بتطبيقها هي المدونة في مراجع “الفقه” مع ما قد يضاف تقريره وفقا للأصول والضوابط التي أنتجت ذلك الفقه.
    وفريق ثان يقول إن أغلب أحكام الفقه على الأقل أنتج لزمن غير الذي نعيشه، وأن إسناد تقرير الأحكام الملزمة إلى مؤسسات الدولة الحديثة لا مخالفة فيه للشريعة.
    فما هو نصيب الحقيقة في كل من الرأيين ؟ لعل مما يساعد على ذلك استعراض ومناقشة العناصر المعتمدة لدى الفقه ومؤسسات الدولة في تقرير الأحكام وما بينها من اختلاف.

            من أهم هذه العناصر:

                    – المرجعية.
                    – الجهة المختصة بالتقرير.

                    – طبيعة الحكم المقرر.

  أولا: المرجعية

 

   يرى المناصرون للموروث الفقهي أن مرجعيته هي الكتاب والسنة، ولا ينازع أحد في أن الأمة ملزمة بالامتثال لشريعتها وبتطبيق أحكامها المقررة في هذين المصدرين، بينما مرجعية مؤسسات الدولة هي “المصلحة” التي يقررها الأفراد المكونون لها بتقديرهم الشخصي بعيدا عن نصوص الشريعة ومصدريها: الكتاب والسنة.
   فما مدى صحة هذا القول ؟ وما هي حقيقة مرجعية الكتاب والسنة للأحكام الفقهية؟
هنا ينبغي أن يلاحظ:

–  أن عددا قليلا جدا من أحكام “المعاملات” هي التي وردت فيها نصوص قطعية الثبوت ( القرآن ومتواتر السنة) والدلالة، ومع قلتها منها ما هو مقرر لمصلحة ظاهرة يمكن أن يتغير إذا فقدت المصلحة التي شرع من أجلها “الحكم يدور مع علته وجودا وعدما”.
–  أن القليل ([1]) منها وردت فيها في المصدرين السالفي الذكر نصوص ظنية الثبوت والدلالة أو ظنية أحدهما.

–  أن أكثر وقائع حياة المجتمع ترك تنظيمها التفصيلي للأمة في إطار المبادئ والقيم الإسلامية ونصوصها العامة وبناء مكارم الأخلاق التي أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أنه جاء ليتمم بناءها.
 – ويتفق الأصوليون والفقهاء على أن تفسير النصوص ظنية الدلالة، والأخذ بظنية الثبوت يحكمها عدم التعارض مع مبدأ “درء المفاسد وجلب المصالح” الذي يجب مراعاته كذلك في الأحكام المستند فيها إلى النصوص العامة والقيم العليا للشريعة.
 – كل هذا يؤكد أن المصدر المباشر لنسبة مرتفعة جدا من أحكام الشريعة هو “درء المفاسد وجلب المصالح” سواء استندت إلى نص خاص ظني الدلالة والثبوت أو إلى نص عام.
 – كيف تتحدد المصلحة أو المفسدة في التصرف أو الواقعة حتى يصاغ لها حكمها المناسب ؟ يقول الشاطبي ليس في الدنيا مصلحة محضة ولا مفسدة محضة ([2]) ولذلك إذا كانت المصلحة “هي الغالبة عند مناظرتها مع المفسدة في حكم الاعتياد فهي المقصودة شرعا ولتحصيلها وقع الطلب على العباد ليجري قانونها على أقوم طريق وأهدى سبيل وليكون حصولها أتم وأقرب وأولى بنيل المقصود على مقتضى العادات الجارية في الدنيا، فإن تبعتها مفسدة أو مشقة فليست بمقصودة في شرعية ذلك الفعل وطلبه.
 – وكذلك المفسدة إذا كانت هي الغالبة بالنظر إلى المصلحة في حكم الاعتياد فرفعها هو المقصود شرعا، ولأجله وقع النهي، ليكون رفعها على أتم وجوه الإمكان العادي في مثلها حسبما يشهد له كل عقل سليم، فإن تبعتها مصلحة أو لذة فليست هي المقصودة بالنهي عن ذلك الفعل بل المقصود ما غلب في المحل، وما سوى ذلك ملغى في مقتضى النهي كما كانت جهة المفسدة ملغاة في جهة الأمر”([3]).
 – وبالنسبة للنصوص التشريعية والتنظيمية التي تصدرها المؤسسات المختصة في الدولة الحديثة، فإنها تهدف إلى تحقيق مصالح المجتمع الذي تمثله، هذا هو الأساس النظري الذي أقيمت عليه، وتتفاوت دساتير الدول المكتوبة وغير المكتوبة في توفير الوسائل المساعدة على منع الانحراف بسلطة التقرير، وتسخيرها لغير ما أنشأت له وهو تحقيق المصالح العامة للمجتمع والسير به إلى الأفضل.


  ثانيا: الجهة المختصة بالتقرير


    في الفقه الموروث توجد جهتان للتقرير: الإمام أو الخليفة، والمجتهد([4]) .
   الإمام أو الخليفة يقرر فيما أسند إليه وهو “تدبير المصالح العامة للأمة” وهي عبارة تشمل بعمومها كل ما يهم تنظيم مرافق المجتمع ومصالحه.
    والمجتهد الذي يكتسب صفته هذه من تبحره في أصول الفقه الضابطة لقواعد الدلالة اللغوية للنصوص الخاصة، ولكن في الواقع العملي اعتبر وحده مختصا بتقرير جميع الأحكام المنظمة لحياة الفرد و للمجتمع سواء كانت مستندة إلى تفسير نصوص خاصة أو إلى النصوص العامة ومبادئ الشريعة وكلياتها.
   وبالنسبة للدولة الحديثة تصنف فيها القواعد الملزمة في تنظيم المجتمع إلى دستور، وقوانين، ونصوص تنظيمية: الأول يشترك جميع أفراد المجتمع في تقريره عن طريق الاستفتاء، والقوانين يسند إصدارها إلى المؤسسة التشريعية/البرلمان، والسلطة التنفيذية/الحكومة تبقى لها صلاحية النصوص التنظيمية.

  ثالثا طبيعة الحكم المقرر

 

    حسب دراسات أصول الفقه الأحكام التي يعلنها المجتهد، لا ينشئها هو، وإنما هي  أحكام الله الأزلية، وكل ما فعله أنه اكتشفها، وهذا ما أضفى صفة الثبات والاستمرار على الأحكام الاجتهادية ولم تتأثر بما قاله الأصوليون أنفسهم من مثل: الحكم يدور مع العلة وجودا وعدما، ووجوب مراعاة المآل في تقرير الأحكام ….
     أما بالنسبة لمؤسسة الدولة، فإن ما تصدره من تشريعات قانونية وتنظيمية ينسب إليها، وباعتباره مقررا لتحقيق مصالح المجتمع فإنه يعدل أو يلغى إذا كشف التطبيق عن العكس أو طرأت ظروف أفقدته صلاحيته، لذلك كانت القوانين سريعة التعديل والإلغاء ومن النادر جدا أن يستمر العمل بقانون لبضع سنوات دون تعديل أو تغيير.

  ثانيا: تدبير الاختلاف

 

    إذا كان الاختلاف واقعا في المرجعية وفي جهة الاختصاص ثم في طبيعة الحكم المقرر، فهل هذا الاختلاف مؤسس على حقائق ثابتة ومؤكدة لا سبيل إلى تجاوزها؟ أم إن الموضوع قابل للمناقشة وتقديم أفكار تذيب الاختلاف ؟


1-   المرجعية :

    رأينا أن درء المفاسد وجلب المصالح هو الذي يشكل المرجعية الأساسية والعليا في تفسير نصوص الشريعة واستخلاص الأحكام منها، وأن الترجيح بين ما في كل واقعة من وقائع الحياة يتم “بمقتضى العادات الجارية في الدنيا”، “حسبما يشهد له كل عقل سليم”.
 أليس هذا هو الهدف نفسه من تشريع القوانين ؟

 والقوانين الجاري بها العمل في المغرب مثلا قد يكون فيها بالتأكيد أحكام لا تحقق مصالح ظاهرة. ولكن أليس أغلبها على الأقل يشهد لها العقل السليم بتحقيق مصالح الناس في ظروف وملابسات الواقع الذي يعيشونه ؟
  هل هناك مقترحات تساعد على جعل مضامين القوانين محققة لمصالح المجتمع ومرتبطة بنصوص الشريعة أفضل من واقعها الحالي سواء كانت المقترحات تتعلق بالإجراءات  أو بتشكيل واختصاصات المؤسسات المسندة إليها صلاحية الإصدار ؟

2-   المصدر أو الجهة المختصة بالتقرير:

   هل في الإمكان سن إجراءات للاعتراف بصفة “مجتهد” مع الالتزام بآثارها المتداولة في أصول الفقه وفي مقدمتها وجوب تقليده من جميع الذين لم يعترف لهم بهذه الصفة؟
   هل يكون اختصاص هذا المجتهد عاما في جميع مرافق المجتمع وحاجات حياته المتشعبة؟ أم يكون قاصرا على جزء منها ؟ وفي هذه الحالة إلى من يسند الجزء الآخر ؟ وكيف يتحدد اختصاص المجتهد واختصاص غيره ؟ وعند تعدد المجتهدين ؟ وهل يتصور اليوم تنظيم المجتمع بكل مرافقه وتشعب وقائع حياته المتشابهة دون أن تكون متماثلة برأي فرد إذا نبغ في مجال غابت عنه مجالات أخرى، وإذا استحضر كل الملابسات المؤثرة على الحكم في بعض الوقائع، استحال أن يفعل ذلك في مئات الآلاف من وقائع الحياة التي يحتاج المجتمع إلى تنظيمها ؟
   يوجد كثير من المقترحات ترى إسناد مهمة الاجتهاد أو التشريع إلى “مجمع” من العلماء أو الراسخين منهم، أو باشتراك مع متخصصين آخرين في كل دولة إسلامية أو على مستوى العالم الإسلامي…
   لكن كيف يتحقق هذا فعلا سواء في تحديد “العلماء” أو “الراسخين” أو ذوي الاختصاصات الأخرى ؟ ومن يفصل في هذا التحديد ؟ وهل بعد تكوين”المجمع” تلغى السلطتان التشريعية والتنفيذية القائمتان حاليا ؟ أم يوزع الاختصاص بينهما وبين المجمع ؟ ومن يتولى هذا التوزيع ؟ وكيف ؟
    هل هناك تصورات أخرى قابلة للتنفيذ ؟
   وآية «وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ» كيف ترى تطبيقها ؟ علما بأن الشورى لا تعني الاستشارة وإنما التشاور والتقرير.
    هل توجد مقترحات بتعديلات للأنظمة المكونة لمؤسسات الدولة الحالية والمحددة للإختصاصاتها وإجراءات عملها، فيتحقق بذلك تطبيق آية « وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ » ؟.
    هل هناك حلول أخرى ؟

3-   طبيعة الحكم المقرر:

    الحكم الاجتهادي هل هو تفسير ظني للنص ؟ أم كشف عن حكم الله الأزلي ؟
    يقول الإمام الغزالي رحمه الله “والمختار عندنا وهو الذي نقطع به ونخطئ المخالف فيه أن كل المجتهدين في الظنيات مصيب، وأنها ليس فيها حكم معين لله تعالى” ([5])
    إذا كان الأمر كذلك ألا يكون الرأي الاجتهادي – وهو رأي فرد قابلا للتعديل والتغيير متى أظهر التطبيق عدم تحقيقه لمصلحة راجحة أو تغيرت ملابسات الواقع الذي صدر فيه ؟
    ما هي الوسائل التي تضبط مراجعات الرأي الاجتهادي وتعديله أو إلغائه إن اقتضى الحال ؟
   هذه بعض الأسئلة التي نأمل أن تعزز بأسئلة أخرى من المساهمين في المائدة المستديرة، سعيا إلى تبيان الخيط الأبيض من الخيط الأسود في موضوع ازدواجية تقرير الأحكام المنظمة للمجتمع ولعلاقات التعايش بين أفراده، وإنهاء آثاره السلبية المدمرة. والله المستعان وهو الهادي إلى سواء السبيل.


[1] ) – هذه  القلة مؤكدة اليوم اعتبارا لما أصبحت عليه مرافق المجتمع من اتساع وتنوع، وتشعب في التنظيم والإدارة.
[2] ) الموافقات – 2/25
[3] ) نفس المرجع – ص 26 – أنظر أيضا ابن عبد السلام في قواعد الأحكام – 1/4.
[4] ) يضاف إليهما “أهل الحل والعقد” الذين لم يتناول الفقه صلاحيتهم التقريرية في غير بيعة الخليفة وعزله.
[5] ) المستصفى: 2/264 .
وبين الأساس الذي بني عليه رأيه بقوله: “ومن نظر في المسائل الفقهية التي لا نص فيها [ أي قطعي الثبوت والدلالة ] علم ضرورة انتفاء دليل قاطع فيها وإذا انتفى الدليل فتكليف الإصابة من غير دليل قاطع تكليف محال فإذا انتفى التكليف انتفى الخطأ. فإن قيل عليه دليل ظني بالاتفاق، فمن أخطأ الدليل الظني فقد أخطأ، قلنا الأمارات الظنية ليست أدلة بأعيانها بل يختلف ذلك بالإضافات، فرب دليل يفيد الظن لزيد وهو بعينه لا يفيد الظن لعمرو مع إحاطته به وربما يفيد الظن لشخص واحد في حال دون حال… فالأمارات كحجر المغناطيس تحرك طبعا يناسبها كما يحرك المغناطيس الحديد دون النحاس” – نفس المرجع ص 365 و 366